ابن الأثير

156

أسد الغابة ( دار الفكر )

وأسلم ذلك اليوم فحسن إسلامه ، ولم يظهر منه بعد ذلك ما ينكر عليه . وهو أحد العقلاء الكرماء من قريش ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين ، ففتح اللَّه على يديه إفريقية [ ( 1 ) ] ، وكان فتحا عظيما بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف مثقال ، وسهم الراجل ألف مثقال . وشهد معه هذا الفتح عبد اللَّه بن عمر ، وعبد اللَّه بن الزبير ، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص . وكان فارس بنى عامر بن لؤيّ ، وكان على ميمنة عمرو بن العاص لما افتتح مصر ، وفي حروبه هناك كلها ، فلما استعمله عثمان على مصر وعزل عنها عمرا ، جعل عمرو يطعن على عثمان ويؤلّب عليه ، ويسعى في إفساد أمره . وغزا عبد اللَّه بن سعد بعد إفريقية الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين . وهو [ الّذي ] هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم ، وغزا غزوة الصّوارى في البحر إلى الروم [ ( 2 ) ] . ولما اختلف الناس على عثمان رضى اللَّه عنه ، سار عبد اللَّه من مصر يريد عثمان ، واستخلف على مصر السائب بن هشام بن عمرو العامري ، فظهر عليه محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ابن أمية الأموي ، فأزال عنها السائب ، وتأمّر على مصر ، فرجع عبد اللَّه بن سعد فمنعه محمد بن أبي حذيفة من دخول الفسطاط ، فمضى إلى عسقلان فأقام حتى قتل عثمان ، وقيل : بل أقام بالرّملة حتى مات ، فارّا من الفتنة . وقد ذكرنا هذه الحروب والحوادث مستقصاة في « الكامل » في التاريخ . ودعا عبد اللَّه بن سعد فقال : « اللَّهمّ اجعل خاتمة عملي الصلاة » . فصلى الصبح فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات ، وفي الثانية بأم القرآن وسورة ، وسلم عن يمينه ، ثمّ ذهب يسلم عن يساره فتوفّى ، ولم يبايع لعلى ولا لمعاوية . وقيل : بل شهد صفّين مع معاوية . وقيل : لم يشهدها . وهو الصحيح . وتوفى بعسقلان [ ( 3 ) ] : سنة ست وثلاثين ، وقيل : سنة سبع وثلاثين . وقيل : بقي إلى آخر أيام معاوية ، فتوفى سنة تسع وخمسين . والأول أصح . أخرجه الثلاثة . قلت : قد وهم ابن مندة وأبو نعيم في نسبه ، فإنّهما قدّما « حبيبا » على « الحارث » ، وليس بشيء ، ثم قالا : « جذيمة بن نصر بن مالك » . وإنما جذيمة هو ابن مالك . ثم قالا :

--> [ ( 1 ) ] ينظر الكامل لابن الأثير : 3 / 45 ، 46 . [ ( 2 ) ] الكامل لابن الأثير : 3 / 58 ، 59 . [ ( 3 ) ] في المطبوعة : « وتوفى بعسقلان ، وقيل : بإفريقية . . . » .